الشيخ السبحاني
114
التوحيد والشرك في القرآن
( قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين * قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين ) ( النمل : 38 - 39 ) . بل ويضمن له آخر من حواشيه أن يحضر العرش المذكور في أقل من طرفة عين إذ قال : ( قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ) ( النمل - 40 ) . ولم يتبين - إلى الآن - ما المراد من هذا العلم الذي كان يحمله قائل هذا القول : ( أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ) ( 1 ) . وسواء أكان المراد من ذلك هو العلم بخواص الأشياء الغريبة وكيفية معالجتها وإحضارها من مكان بعيد في أقل من طرفة عين ، أم كان المراد منه غيره . وعلى أي تقدير فليس هذا العلم من سنخ العلوم الفكرية التي تقبل الاكتساب وتنال بالتعلم ، وهذا يكفي في عد عمله خارقا للنواميس العادية والسنن الطبيعية المكشوفة الرائجة . وربما يحتمل أنه إذا كان عمله مستندا إلى عمله بغرائب خواص الأشياء المستورة على الناس لا يخرج عن كونه عملا طبيعيا ، وإن كان يعد غريبا ولعله كان له علم بغرائب الخواص . يلاحظ عليه بأنه - مع أنه احتمال غير مدعم بدليل - لا يخرج عمل العامل عن كونه قرين المعجزات وعديل الكرامات التي لا يقدر عليها إلا أولياء الله سبحانه . وقد احتمل بعض في باب المعجزات أن يكون عمل الآتي بها ، مستندا إلى
--> ( 1 ) ذكر المفسرون هناك أقوالا واحتمالات ، فراجع الميزان : 15 / 363 .